أ. إبراهيم ماهر عضو مجلس أمناء مدينة حدائق أكتوبر
بقلم/ أ. إبراهيم ماهر عضو مجلس أمناء مدينة حدائق أكتوبر
عندما يُذكر مصطلح "الإتاحة" في الأوساط العمرانية، تتبادر إلى الأذهان فوراً تلك المنحدرات الهندسية أو المصاعد المجهزة. ورغم الأهمية القصوى لهذا البُعد الإنشائي، إلا أن "الإتاحة المجتمعية" بمفهومها الشامل هي منظومة متكاملة تتجاوز الجدران والخرسانة؛ إنها باختصار عملية تذليل لكافة العوائق — البيئية، والتكنولوجية، والسلوكية، والتنظيمية — التي تحول دون مشاركة أي فرد في مجتمعه بشكل كامل ومتساوٍ.
وفي عصر تتجه فيه الدولة المصرية بقوة نحو آفاق التنمية الشاملة، لم تعد الإتاحة مجرد عمل خيري أو رفاهية حقوقية، بل تحولت إلى شرط أساسي وركيزة عمودية لنجاح واستدامة المشروعات القومية والمدن الجديدة. فلا يمكن لقطار التنمية أن يصل إلى وجهته وبلوغ غايته ونحن نترك خلفنا فئات أصيلة من النسيج الوطني.
محاور دمج الإتاحة في استراتيجيات الاستدامة
تتوزع أهمية الإتاحة المجتمعية على ثلاثة محاور رئيسية، يتكامل فيها البعد الإنساني مع العائد التنموي:
أولاً: المحور الاجتماعي (العدالة والدمج الشامل)
إن المبدأ الإنساني الأساسي للتنمية يفرض "ألا يُترك أحد خلف الركب". فالإتاحة تضمن للأشخاص ذوي الهمم، وكبار السن، والأمهات، الوصول إلى الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والنقل بكفاءة ويسر، باعتباره حقاً أصيلاً يكفله القانون والدستور. وعندما نتيح المدارس والجامعات والمراكز الثقافية، فإننا نبني مجتمعاً متماسكاً يذيب الفوارق ويرسخ قيم المواطنة وتكافؤ الفرص.
ثانياً: المحور الاقتصادي (تحويل المستهلكين إلى منتجين)
إن العوائق البيئية والتكنولوجية في الشوارع والمؤسسات تحرم سوق العمل سنوياً من كفاءات وطاقات بشرية هائلة. وبتوفير بيئات عمل مجهزة ومهيأة، يتحول ملايين المواطنين من فئات تحتاج إلى الدعم والإعانات إلى قوة عمل منتجة ومؤثرة تضخ دماءً جديدة في شرايين الاقتصاد. علاوة على ذلك، فإن المدن والمشروعات التي تطبق أكواد الإتاحة تجذب شريحة واسعة من المستهلكين والزوار، مما يرفع من القيمة الاستثمارية والتنافسية لتلك المدن.
ثالثاً: المحور العمراني والبيئي (مدن ومجتمعات محلية مستدامة)
يقوم التخطيط العمراني الحديث على فكرة "أنسنة المدن"، أي جعل المدينة قابلة للعيش والمشي والحركة لجميع الأعمار والقدرات دون مشقة. وتوفير وسائل نقل جماعي مجهزة ومحاور مشاة مهيأة يشجع الجميع على استخدامها، مما يساهم بشكل غير مباشر في الحد من الاعتماد على المركبات الخاصة، وبالتالي خفض الانبعاثات الكربونية وحماية البيئة المحيطة.
الإتاحة في العصر الرقمي
ومع الطفرة الهائلة التي تشهدها الدولة في مجالات التحول الرقمي، برز مفهوم "الإتاحة الرقمية" كجزء لا يتجزأ من الإتاحة المجتمعية. إن تصميم المواقع الإلكترونية، والتطبيقات الخدمية، والمنصات التعليمية لتكون متوافقة مع برمجيات القراءة الصوتية والأنظمة المساعدة، يضمن عدم حدوث أميّة تكنولوجية جديدة تعزل فئات واسعة من المواطنين عن المعاملات اليومية والخدمات الذكية التي تقدمها الدولة.
العائد الاستثماري الحقيقي
من الأخطاء الشائعة في الفكر الهندسي التقليدي ظن البعض أن تطبيق الإتاحة يمثل عبئاً مالياً إضافياً على ميزانيات المشروعات. وتشير الدراسات العمرانية الحديثة إلى أن التخطيط لـ "التصميم الشامل" منذ مرحلة الرسم الهندسي الأولى لا يرفع تكلفة المشاريع إلا بنسبة ضئيلة جداً لا تتعدى 1%، في حين أن تعديل المنشآت وإعادة تهيئتها لاحقاً هو ما يكلف مبالغ طائلة. وفي المقابل، فإن العائد المجتمعي والاقتصادي من دمج المواطنين وتنشيط الأسواق يفوق هذه التكلفة التأسيسية بأضعاف مضاعفة.
رؤية للمستقبل
إن الإتاحة المجتمعية ليست مجرد بند في قانون أو كود هندسي يُطبق جافاً، بل هي مؤشر وعي وثقافة مجتمعية تقودها القيادة السياسية بحكمة وإنسانية لتهيئة البيئة الأساسية لكافة المواطنين. إن الاستدامة الحقيقية هي تلك التي تستثمر في الإنسان — كل إنسان — وبناء مدن تتيح للجميع الحركة والعمل والابتكار بحرية وكرامة هو الضمانة الوحيدة لإنشاء مجتمعات مرنة، قوية، وقادرة على النمو والازدهار في المستقبل.