د. رانيا حمدي احمد
الاقتصاد والبنوك
يظل السادس من أكتوبر لعام 1973 واحدا من الأيام الفارقة في التاريخ المصري والعربي، كثيرة وفتحت فيه آفاق لمستقبل مشرق. كان عبور قناة السويس لحظة عسكرية وسياسية شديدة الأهمية، فالقوات المصرية الباسلة لم تعبر حاجزا مائيا فقط وإنما عبرت حاجزا نفسيا أيضا، فلقد أثبتت أن التفوق الحقيقي يعتمد على التخطيط والإعداد والمفاجأة، مما أدى الى تغيير موازين القوة.
كان العبور العظيم في حد ذاته ثمرة لعمل طويل ومعقد، فقد نجحت القوات المصرية في عبور قناة السويس وإقامة رؤوس كباري على الضفة الشرقية، وتجاوزت واحدا من أبرز التحديات العسكرية في ذلك الوقت، لتتحول مفاجأة السادس من أكتوبر الى نقطة التحول في مسار الصراع.
ولم يكن الانتصار مقتصرا على النتائج الميدانية المباشرة، بل امتد الى استعادة الثقة بالنفس وإعادة الاعتبار لفكرة أن التفوق العسكري لا يمكن أن يلغي إرادة الشعوب وقدرتها على التخطيط والصمود.
ونجد سيناء الحبيبة التي كانت مسرحا للعمليات العسكرية أصبحت بعد استعادة السيادة عليها جزءا أساسيا من رؤية التنمية المصرية، وهذا هو المعنى الأعمق للانتصار، أن تتحول الأرض التي دفع المصريون ثمنا غاليا لاستعادتها الى أرض للحياة والعمل والإنتاج.
فالأمن والتنمية وجهان لعملة واحدة، فالقوى الوطنية في القرن الحادي والعشرين لم تعد تقاس بحجم الترسانة العسكرية فقط، وإنما أيضا بقدرة الدولة على بناء اقتصاد قوي وتعليم حديث وبنية أساسية متطورة وقدرات تكنولوجية ومؤسسات قادرة على التعامل مع الأزمات.
بعد 53 عاما لا تزال صورة العلم المصري وهو يرتفع على الضفة الشرقية للقناة قادرة على اختصار الكثير من المعاني، إنها صورة وطن رفض أن يقبل الهزيمة باعتبارها قدرا نهائيا، لكن التاريخ لا يمنح الأمم الانتصارات مجانية الى الابد فكل جيل امامه معركته الخاصة.
فجيل أكتوبر كانت معركته استعادة الأرض والحفاظ عليها اما جيل اليوم فمعركته الحفاظ على الدولة وتعزيز الاقتصاد وبناء الإنسان وامتلاك أدوات العلم والتكنولوجيا وحماية الأمن القومي وصناعة مكانة تليق بمصر في عالم شديد التغير وهكذا يصبح أكتوبر أكثر من ذكرى فيصبح منهجا في التفكير من ذاكرة الانتصار الى صناعة المستقبل.
فالأوطان لا تعيش على أمجاد الماضي وحدها وإنما تجعل من أمجادها طاقة لبناء الغد.