للجنون تاريخ في العصر الكلاسيكي، وقد ناقش فوكو في إحدى كتاباته البعد المعرفي في مناقشة العلاقة بين العقل والجنون، وما ترتب على ذلك من تأسيس لمعارف وضعية بعينها ومؤسسات سياسية وإدارية، لكن ديكارت يطرح مسألة العقل التي تستبعد كل إمكانية لإقامة علاقة بين العقل واللاعقل، أو بين العقل والجنون، فالعقل أساسه مع ديكارت أنه يستبعد الخطأ والوهم.
لكن للجنون مع هيجل وضعية جديدة في علاقته بالعقل ترتبط بقضية الاستلاب وهو البعد الأكبر في التعمق؛ لأن هذا ما لا يستطيع أن يدركه العقل الكلاسيكي، فلهيجل تأثير أعظم في إدراك المصطلح؛ فالجنون لديه ليس فقدانًا تامًّا للعقل، لا من ناحية الذكاء ولا من ناحية المسؤولية، بل هو مجرد اضطراب في النفس البشرية وتناقض في العقل، ومن هنا كان التحول الذي أصاب الخطاب في العصر الحديث، فقد اتسعت دائرته لتشمل تحولاً آخر في المعرفة النفسية أو التشخيص الطبي وكان الرائد في هذا فرويد، وإذا عدنا إلى فوكو نجد أن الجنون ينبثق من حساسية اجتماعية/سياسية، من إقامة أركيولوجيا خطاب الجنون، وخطاب الجنون يتم ربطه بمختلف الممارسات الخطابية كالممارسات الأدبية والفنية والقانونية والسلطوية في ضوء هيمنتها وفي إطار شروط أخرى قام بتحديدها، أما في العصر الحديث مع نيبال فإن الجنون يتم تحليله على أرضية وضعية.
واستنادًا لأسس نظرية المعرفة القائمة على النصوص، يأتي التساؤل: كيف تظهر بعض الممارسات الخطابية/التاريخية التي تجعل من الخطاب حدثًا أو خطأ؟ فعبر تداول الخطابات من الممكن أن نؤكد أنه ليس هناك نظرية ثابتة في الخطاب أو في السلطة والمعرفة، وإنما هناك مفاهيم تتشكل عبر التاريخ؛ وهو ما يسمح بالقول بالتشكل التاريخي للذات في سياقاته المرتبطة، عبر عديد من الممارسات والتجارب والموجودات والوقائع.
والذات هنا تشبه الولايات المتحدة الأمريكية ممثلة في شخصية رئيسها دونالد جون ترامب الرئيس السابع والأربعين لها، الذات التي بدلًا من أن تتعلق بالوعي أو المركزي فإنها تمتعت بالسيطرة والتحكم والإخضاع لكنه أيضًا الإخضاع على المناخ المضاد. هي ذات تتحقق في لعبة الحقيقة والخطأ أي في علاقة الذات بألعاب الحقيقة والخطأ، ولعبة الحقيقة تلك التي يتاح للعالم من خلالها إدراك ذاته كمجنون، وعندما نفكر في صفته نفكر فيها كصفة مجرم، وهنا نفكر في العلاقة السلطوية/التاريخية التي تجمع بين الإنسان المجنون والإنسان الحقيقي/العاقل.
د. نعيمة عاشور