د.عصمت رضوان

الحنينُ إلى الماضي:رائحة الزمن الجميل وألَق الذكريات

السبت 08 فبراير 2025 -05:49
     في خضم مشاغل الحياة المعاصرة، وفي ظلّ زخم العلاقات ، وزحام المتطلبات...وحينما تضيق بنا سبل العيش، وتتزايد قساوة الأيام، نجد أرواحنا تبحث عن ملاذ يخفف وطأة هذا الواقع المثقل بالهموم، فنلوذ بالماضي، ذلك الزمن الجميل الغابر  الذي نراه من نافذة الذكريات ملتحفًا بالنقاء، ومطرزًا بالدفء والهدوء والحنين. 
   هنالك في زوايا الذاكرة، تختبئ لحظات حلوة تحمل بين طياتها عبق الراحة والبساطة ، حيث كنا نعيش بلا أثقال، ونحيا بلا هموم، ونتحرك بلا قيود، ونحلم بلا شروط.

    إن الحنين إلى الماضي لهو حاجة روحية لملامسة شيء نقي، شيء يرمم شروخ الحاضر،  ويخفف قسوة الواقع. 
   كم نشتاق إلى رائحة الأرض بعد المطر يوم أن كنا صغارًا، إلى صوت الجدّة وهي تروي حكاياتها تحت ضوء القمر، وإلى دفء لمة الأسرة حول (طبلية) صغيرة تجتمع عليها القلوب قبل الأيدي. 
    تلك التفاصيل الصغيرة كانت تمثل عالمًا واسعًا، ودنيا رحبة فسيحة، كان الفرح فيها يكمن في أشياء صغيرة، في هدية متواضعة، في نظرة عابرة ، في ضحكة بريئة، في انتظار لمناسبة، أو بهجة بليلة عيد.

   حين نعود بذاكرتنا إلى الماضي، فإننا لا نبحث عن زمانٍ أجمل فقط، بل نبحث عن أنفسنا في أبهى حالاتها، حين كانت الأحلام أكثر براءةً، والعلاقات أكثر نقاءً.
لقد كانت الطيبة طابع الناس، وكانت القلوب مفطورة على الحب، فلم يكن هناك مكان للتصنع أو التعقيد. 
كانت الحارة تشبه العائلة، وكان الجار أخًا، والصديق سندًا، وكانت العلاقات تُبنى على الثقة والمحبة والاحترام.

    لكن علينا أن نتساءل:  هل كان الماضي جميلًا حقًا، أم أن قسوة الحاضر هي من زينتْ لنا ذكرياته؟ ربما يكون الجواب خليطًا من الحقيقة والخيال. 
  الماضي لم يكن مثاليًا تمامًا، لكنه كان يحمل تفاصيل بسيطة نفتقدها الآن في عصر السرعة والانشغال. 
  ربما لم يكن الكمال في الزمن، بل في قلوبنا التي كانت أكثر صدقًا ،وأقل تصادمًا مع الحياة.

   وها نحن اليوم، في عصر التكنولوجيا والاتصالات، ووسائل التقدم والرفاهية_ محاطون بكل وسائل الراحة، لكننا نشعر بفراغ لا يملؤه شيء. 

     إن الحنين إلى الماضي هو محاولة يائسة لاستعادة شعور الأمان والدفء الذي كنا نعيشه، لحظات لم يكن فيها الوقت يسرقنا من أحبتنا، ولم تكن المسافات تُقاس بالكيلومترات بل بتقارب الأرواح.

   أيها الزمن الجميل، كم نشتاق إلى رائحتك العطرة وإلى دفء أيامك! نشتاق إلى لمة الأسرة التي كانت توحد القلوب، إلى لهو الأطفال في الشوارع، إلى خبز الطفولة، إلى رائحة الشاي في المساء. نشتاق إلى قلوبٍ كانت تنبض حبًا بلا انتظار مقابل، وإلى حياةٍ كنا نحياها ببراءة الفطرة.

   إن العودة إلى الماضي ليست ممكنة، لكننا نستطيع أن نستلهم من الماضي روحًا تمنح الحاضر معنى أعمق. 
لنتعلم أن نعيش اللحظة، أن نصنع ذكريات جديدة تُشبه تلك التي نُحبها، لأن الحياة، رغم قسوتها، لا تزال تمنحنا فرصًا للفرح، شريطة أن نفتح قلوبنا لها،  وأن نتجرد من كل شيء يؤذي مشاعرنا، ويعكر صفو أيامنا. 

  د.عصمت رضوان