قامت الشريعة الإسلامية على مبدأ التحاب والتآخي بين المسلمين ، ودعت إلى حب المسلم الخير لأخيه المسلم ، وحثت على بذل المعروف ، وإغاثة الملهوف ، وإطعام الجائع ، ومساعدة المحتاج.
ونهت عن كل صنيع من شأنه أن يهدد المحبة في قلوب المسلمين بعضهم مع بعض ، فنهت عن الأسباب المعنوية المؤدية إلى العداء كالغل والحسد ، والغيبة والنميمة، وحذرت من الوسائل المادية الباعثة عليه كالسرقة والإيذاء ، والربا ، واستغلال حاجة المحتاج .
ومن الأسباب التي تؤدي إلى إيذاء الناس وتجلب عداوتهم وتقطع أواصر المحبة بينهم احتكار السلع.
والاحتكار معناه حبس الطعام ونحوه عن المحتاجين له وانتظار وقت الغلاء لبيعه .
وهو من الأمور الممقوتة لما فيه من مخالفة للشرع ، وإضرار بالناس ، وتغليب المصلحة الخاصة على المنفعة العامة .
وقد ورد النهي عن احتكار السلع في عدة أحاديث نبوية ، وذلك لما فيه من التضييق على الناس، والإضرار بهم ، فقد روى ابن ماجه والحاكم عن ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون" .
وروى أحمد والحاكم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله، وبرئ الله منه."
وعن سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد الله العدوى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يحتكر إلا خاطئ ) .
وعن معقل بن يسار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من دخل فى شئ من أسعار المسلمين ليغلبه عليهم كان حقاً على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة ) .
وعن ابن عمر رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( من احتكر طعاماً أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه ، وأيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعاً فقد برئت منهم ذمة الله ) .
وعن عمر رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس ) رواه ابن ماجة .
كما وردت الآثار الدالة على قبح هذا الصنيع ومخالفته لقواعد الشرع الحنيف ، فقد روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال : " لا حكرة فى سوقنا ، لا يعمد رجال بأيديهم فضول من أذهاب إلى رزق الله نزل بساحتنا فيحتكرونه علينا ، ولكن أيما جالب جلب على عمود كبده فى الشتاء والصيف ، فذلك ضيف عمر ، فليبع كيف شاء الله وليمسك كيف شاء الله " .
وروى أن عثمان رضى الله عنه كان ينهى عن الحكرة .
كما روى عن على رضى الله عنه أنه قال : " من احتكر الطعام أربعين يوماً قسا قلبه " .
وروى عنه رضى الله عنه أنه أحرق طعاماً محتكراً بالنار .
من هنا يتبين أن احتكار السلع ومنعها عن المحتاجين إليها أمر محرم ، ومخالفة صريحة لقواعد الشريعة الإسلامية، وهو إلى جانب ذلك جريمة اقتصادية واجتماعية كبيرة ، تضر بالمجتمع ، وتضعف اقتصاد البلاد ، وتؤدي إلى العداوة والكراهية بين المحتكر ومن يحجب عنهم احتياجاتهم من السلع ونحوها.
يقول الدكتور أحمد عرفة الباحث في الشريعة الإسلامية:
إن الاحتكار جريمة اقتصادية اجتماعية ، وثمرة من ثمرات الانحراف عن منهج الله ، وقد تنوعت صورة ، وتعددت أساليبه .
والاحتكار لا يكون فى الأقوات فحسب ، وإنما يكون فى كل ما يحتاج إليه الناس من مال وأعمال ومنافع ، ذلك أنه من المقرر فقهاً ( أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أم خاصة ) ، فمواقع الضرورة والحاجة الماسة مستثناة من قواعد الشرع وعموماته وإطلاقاته ، فالاحتكار المحرم شامل لكل ما تحتاج إليه الأمة من الأقوات والسلع والعقارات ، من الأراضى والمساكن ، وكذلك العمال والخبرات العلمية والمنافع لتحقق مناطه ، وهو الضرر اللاحق بعلمه المسلمين من جراء احتباسه وإغلاء سعره .
فعلى هؤلاء المحتكرين أن يراجعوا ضمائرهم، وأن يتوبوا إلى ربهم من هذا الأمر العظيم الذي يعصون به ربهم ، ويخونون مجتمعهم .
ولله در شوقي حين قال :
بني وطني دعوتكم فكونوا *
إذا الداعِي أهاب بكم رجالا
عليكم بالقناعة فهي كنزٌ *
ولا تتجاوزوا الربح الحلال
فليس بتاجرٍ من ليس يخشى***
من الله العقاب أو النكالا
وليس بتاجرٍ لصٌ جريءٌ **
على القانون يحتال احتيالا
يخزّنُ أو يخبئُ ما لديه **
وإن تسأله أنكر أو تغالى
فيظمئ أمةً لم تجن ذنباً **
ليشرب وحده الماء الزلالا
فيا تجار مصرَ اللهَ فيها **
وعدل المنصفين والاعتدالا
فمن جعل التجارة باب سلب **
رأي عقبي الدخول به وبالا ..
نسأل الله تعالى العفو ، والعافية ، والرزق الحلال.
# عصمت رضوان #
.
[12:55 م، 2025/2/5] أمير صابر: نزل برنامج vlc وارفع الصوت منه
أثناء العرض