د.عصمت رضوان

الاحتكار: مخالفة شرعية وجريمة اجتماعية

الأربعاء 05 فبراير 2025 -10:29

     قامت الشريعة الإسلامية على مبدأ التحاب والتآخي بين المسلمين ، ودعت إلى حب المسلم الخير لأخيه المسلم ، وحثت على بذل المعروف ، وإغاثة الملهوف ، وإطعام الجائع ، ومساعدة المحتاج.  

    ونهت عن كل صنيع من شأنه أن يهدد المحبة في قلوب المسلمين بعضهم مع بعض ، فنهت عن الأسباب المعنوية المؤدية إلى العداء كالغل والحسد ، والغيبة والنميمة، وحذرت من الوسائل المادية الباعثة عليه كالسرقة والإيذاء ، والربا ، واستغلال حاجة المحتاج .

    ومن الأسباب التي تؤدي إلى إيذاء الناس وتجلب عداوتهم وتقطع أواصر المحبة بينهم احتكار السلع. 

    والاحتكار معناه حبس الطعام ونحوه عن المحتاجين له وانتظار وقت الغلاء لبيعه .
   وهو من الأمور الممقوتة لما فيه من مخالفة للشرع ، وإضرار بالناس ، وتغليب المصلحة الخاصة على المنفعة العامة .

   وقد ورد النهي عن احتكار السلع في عدة أحاديث نبوية ، وذلك لما فيه من التضييق على الناس، والإضرار بهم ، فقد روى ابن ماجه والحاكم عن ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون" .
   وروى أحمد والحاكم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله، وبرئ الله منه."

   وعن سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد الله العدوى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يحتكر إلا خاطئ ) .
وعن معقل بن يسار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من دخل فى شئ من أسعار المسلمين ليغلبه عليهم كان حقاً على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة ) .
   وعن ابن عمر رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( من احتكر طعاماً أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه ، وأيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعاً فقد برئت منهم ذمة الله ) .
 وعن عمر رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس ) رواه ابن ماجة .

   كما وردت الآثار الدالة على قبح هذا الصنيع ومخالفته لقواعد الشرع الحنيف ، فقد روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال : " لا حكرة فى سوقنا ، لا يعمد رجال بأيديهم فضول من أذهاب إلى رزق الله نزل بساحتنا فيحتكرونه علينا ، ولكن أيما جالب جلب على عمود كبده فى الشتاء والصيف ، فذلك ضيف عمر ، فليبع كيف شاء الله وليمسك كيف شاء الله " .
   وروى أن عثمان رضى الله عنه كان ينهى عن الحكرة .
كما روى عن على رضى الله عنه أنه قال : " من احتكر الطعام أربعين يوماً قسا قلبه " .
     وروى عنه رضى الله عنه أنه أحرق طعاماً محتكراً بالنار .

   من هنا يتبين أن احتكار السلع ومنعها عن المحتاجين إليها أمر محرم ، ومخالفة صريحة لقواعد الشريعة الإسلامية، وهو إلى جانب ذلك جريمة اقتصادية واجتماعية كبيرة ، تضر بالمجتمع ، وتضعف اقتصاد البلاد ، وتؤدي إلى العداوة والكراهية بين المحتكر ومن يحجب عنهم احتياجاتهم من السلع ونحوها. 

يقول الدكتور أحمد عرفة الباحث في الشريعة الإسلامية:
إن الاحتكار جريمة اقتصادية اجتماعية ، وثمرة من ثمرات الانحراف عن منهج الله ، وقد تنوعت صورة ، وتعددت أساليبه .
      والاحتكار لا يكون فى الأقوات فحسب ، وإنما يكون فى كل ما يحتاج إليه الناس من مال وأعمال ومنافع ، ذلك أنه من المقرر فقهاً ( أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أم خاصة ) ، فمواقع الضرورة والحاجة الماسة مستثناة من قواعد الشرع وعموماته وإطلاقاته ، فالاحتكار المحرم شامل لكل ما تحتاج إليه الأمة من الأقوات والسلع والعقارات ، من الأراضى والمساكن ، وكذلك العمال والخبرات العلمية والمنافع لتحقق مناطه ، وهو الضرر اللاحق بعلمه المسلمين من جراء احتباسه وإغلاء سعره . 

   فعلى هؤلاء المحتكرين أن يراجعوا ضمائرهم،  وأن يتوبوا إلى ربهم من هذا الأمر العظيم الذي يعصون به ربهم ، ويخونون مجتمعهم .
ولله در شوقي حين قال :
بني وطني دعوتكم فكونوا *
                إذا الداعِي أهاب بكم رجالا
  عليكم بالقناعة فهي كنزٌ * 
               ولا تتجاوزوا الربح الحلال
فليس بتاجرٍ من ليس يخشى*** 
                 من الله العقاب أو النكالا
وليس بتاجرٍ لصٌ جريءٌ **
             على القانون يحتال احتيالا 
يخزّنُ أو يخبئُ ما لديه **
                  وإن تسأله أنكر أو تغالى 
فيظمئ أمةً لم تجن ذنباً **
               ليشرب وحده الماء الزلالا
فيا تجار مصرَ اللهَ فيها **
               وعدل المنصفين والاعتدالا
فمن جعل التجارة باب سلب **
              رأي عقبي الدخول به وبالا ..

 نسأل الله تعالى العفو ، والعافية ، والرزق الحلال. 
        # عصمت رضوان # 

                     .
[12:55 م، 2025/2/5] أمير صابر: نزل برنامج vlc وارفع الصوت منه 
أثناء العرض