بين فكيّ التهدئة والتصعيد  التناقضات الأمريكية الإيرانية تدفع الاقتصاد العالمي إلى حافة القلق؟

الخميس 16 يوليو 2026 -10:14

الخبيرالمصرفي عمرو عصمت

بقلم الخبيرالمصرفي عمرو عصمت

لم تكد الأسواق العالمية تستوعب أجواء التفاؤل التي صاحبت الإعلان عن اتفاق هدنة بين الولايات المتحدة وإيران، حتى عادت لغة التهديد والتصعيد العسكري لتفرض نفسها مجددًا، مع تبادل الاتهامات بخرق الاتفاق، واستئناف المناوشات العسكرية، والحديث المتكرر عن توجيه ضربات جديدة لإيران، إلى جانب استمرار الغموض حول مستقبل مضيق هرمز، الذي يتأرجح بين الفتح والإغلاق وفقًا لتطورات المشهد العسكري والسياسي.
هذا التذبذب لا يمثل مجرد أزمة سياسية أو عسكرية، بل أصبح أحد أخطر مصادر عدم اليقين التي تهدد الاقتصاد العالمي، إذ إن المستثمرين لا يتعاملون فقط مع الوقائع، وإنما مع التوقعات أيضًا. وكلما زادت حالة الغموض، ارتفعت تكلفة المخاطر وانخفضت معدلات الاستثمار، وهو ما ينعكس سريعًا على الأسواق المالية وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
ويظل مضيق هرمز محور الأزمة، باعتباره أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم. فأي تهديد لحركة الملاحة أو تلميح بإغلاق المضيق يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين البحري، وعودة الضغوط التضخمية التي بدأ العالم يتخلص منها تدريجيًا بعد سنوات من الاضطرابات الاقتصادية. كما أن مؤسسات دولية حذرت من أن قدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص صدمات جديدة في أسواق الطاقة أصبحت أقل مما كانت عليه في بداية الأزمة، بعد استنزاف جزء كبير من المخزونات والبدائل المتاحة.
ولا تقتصر التداعيات على قطاع الطاقة فقط، بل تمتد إلى التجارة العالمية وأسواق المال وأسعار الغذاء، حيث تعتمد الصناعات الكبرى على استقرار حركة النقل البحري وتوافر المواد الخام بأسعار مستقرة. ومن ثم فإن استمرار التصعيد أو انهيار أي اتفاق للهدنة قد يدفع البنوك المركزية إلى تأجيل خطط خفض أسعار الفائدة، نتيجة الضغوط التضخمية المتوقعة، بما ينعكس سلبًا على معدلات النمو الاقتصادي عالميًا.
أما بالنسبة للاقتصاد المصري، فإن التأثير سيكون مباشرًا وغير مباشر في آن واحد. فارتفاع أسعار النفط عالميًا يزيد من تكلفة استيراد المنتجات البترولية، ويضغط على الموازنة العامة للدولة، كما يرفع تكلفة النقل والإنتاج، وهو ما قد ينعكس على معدلات التضخم المحلية.
وفي الوقت نفسه، فإن اضطراب حركة التجارة في المنطقة قد يؤثر على حركة الملاحة العالمية، ويزيد من تكلفة الشحن والتأمين، وهو ما ينعكس على أسعار السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج. كما أن استمرار التوترات الإقليمية قد يدفع بعض المستثمرين الأجانب إلى تبني سياسة الترقب، وهو ما قد يؤخر تدفقات الاستثمار إلى الأسواق الناشئة، ومنها السوق المصرية. وتشير تقديرات عدد من المحللين إلى أن تجدد الصراع الأمريكي الإيراني يضغط على آفاق النمو الاقتصادي في مصر إذا استمرت أسعار الطاقة مرتفعة لفترة طويلة.
ورغم هذه التحديات، فإن الاقتصاد المصري يمتلك أدوات للتعامل مع مثل هذه الصدمات، من خلال تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الاحتياطيات الاستراتيجية، واستمرار برامج الإصلاح الاقتصادي، إلى جانب الاستفادة من أي تحسن في إيرادات قناة السويس حال استقرت الأوضاع الأمنية وعادت حركة الملاحة إلى طبيعتها.
وفي النهاية، تؤكد الأزمة الحالية أن الاقتصاد العالمي أصبح أكثر حساسية للصراعات الجيوسياسية من أي وقت مضى، وأن الهدنة وحدها لا تكفي لطمأنة الأسواق إذا لم تكن مدعومة باتفاقات واضحة ومستقرة. فالتنقل المستمر بين التهدئة والتصعيد يخلق حالة من الضبابية تجعل المستثمرين والأسواق في حالة ترقب دائم، وهو ما يدفع الاقتصاد العالمي إلى دفع ثمن الصراعات السياسية والعسكرية، حتى قبل أن تُطلق رصاصة جديدة.